
مسارات العودة إلى الديار… صفحةٌ جديدةٌ في دفتر الأمل بقلم:إسماعيل محمود
أخباركم نيوز
“الأوطان ليست بما كانت عليه،بل بما يستطيع أبناؤُها أن يجعلوها عليه حين يقفون صفاً متيناً في وجه المحن ”
الأوطان ليست بما كانت عليه، بل بما يستطيع أبناؤها أن يجعلوها عليه حين يقفون صفاً متيناً في وجه المحن”
أعلاه إقتباسٌ من كتاب فصول في التفكير والتزكية للمفكّر عبد الكريم بكار، وأغلب ظني انه يتطابق مع ما يجب أن نستوعبه من متغيرات عديدة في بلدنا كلها تعتبر لحظات مفصلية.
وفي اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، تتجاوز العودة معنى الرجوع المكاني إلى البيوت والمناطق، لتصبح فعلًا وطنيًا جامعًا، واستئنافًا لمسار الصمود والمقاومة والمشاركة الواعية في البناء. والسودان، الذي واجه واحدة من أعنف وأقسى المحن منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، يعيش اليوم حالة استثنائية من التحول والأمل، مع انطلاق الدعوات الرسمية لعودة المواطنين إلى منازلهم في ولاية الخرطوم، بالتوازي مع التطورات الإيجابية في جبهات القتال واتساع دائرة الحسم لصالح الجيش.
إن عودة الناس إلى ديارهم ليست مجرّد نهاية لفصل مؤلم، بل هي بداية حقيقية لمرحلة مختلفة. عودة تفتح صفحة جديدة في دفتر الأمل، وتمنح المدن نبضها، والناس انتماءهم الحي. رغم قساوة الألم الذي خلفته مليشيا الدعم السريع في الأرواح والممتلكات والنسيج الاجتماعي، إلا أن هذه العودة تؤسس لأفق واسع من التعافي الكبير، القائم على الصبر والإيمان، وعلى يقين جماعي بأن الحياة التي فُرضت على من بقي داخل الخرطوم لم تكن سوى صنف من الموت البطيء تحت سلطة ميليشياوية شوهت كل ما هو إنساني.
ومن هنا، فإن العودة اليوم ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية وأخلاقية. هي إحياء للبيوت، وإعادة تشكيل للروح الجمعية، وكسر لدائرة الخوف والتشظي. البيوت التي هُجرت قسرًا لا تستعيد عافيتها بالإسمنت وحده، بل بإرادة ساكنيها، وبقناعة جماعية بأن الوطن لا يُبنى من الهامش أو خلف الشاشات، بل من قلب المعاناة، ومن تحت الأنقاض مباشرة.
الشباب هنا، كما هو دوماً، في قلب الفعل. بسواعدهم وعقولهم ووعيهم، يُعاد ترتيب المشهد. المبادرات المجتمعية، مهما بدت بسيطة، هي حجر الأساس في هذا البناء: تنظيف شارع، تأهيل مدرسة، توفير دعم نفسي، أو حتى مجرد رفع علم الوطن على جدار متصدع كلها رسائل تبعث على الأمل.
وبين الدولة والمجتمع، ينبغي أن تُبنى شراكة مسؤولة، تتجاوز منطق التوجيه لتفتح مساحات حقيقية لمشاركة الناس في صنع حاضرهم. فإعادة الخرطوم إلى كامل الحياة ليس قرار الحكومة فحسب، بل بالبذل الجمعي من كافة فئات المجتمع السوداني و بالإيمان بأن الإنسان هو رأس المال الحقيقي، وبأن التعافي الاجتماعي يبدأ من أولى خطوات العزيمة،أوليست هي التي هتفنا بحبها ورددنا مع الراحلين سيد خليفة وصلاح عبد الصبور :
ولا هذي ولا تلك ولا الدنيا بأجمعها تساوي مقرن النيلين يا سمرا
إننا إذ نفتح أبواب بيوتنا، نفتح معها نوافذ الأمل. نُراهن على شعبٍ علّم العالم أن الكبرياءَ ليست مجرد شعار، بل سلوك يومي في مواجهة الجراح. ورغم ما خلّفته الحرب من ندوب، إلا أن السودان ما يزال يقف على قدميه، ويقول: لن ،ننكسر ولن نُمحى، وسنعود… لا فقط لنعيش، بل لنُعمّر وننهض ونحمي تراب هذا الوطن بما نستطيع.






